واصف جوهرية
156
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
والدي والمؤذن كان شباك إيوان [ أي غرفة الجلوس ] دار الجوهرية في محلة السعدية يطل على المأذنة الحمراء ، وهكذا كنا نستمع بشغف إلى المؤذنين [ ذو ] الأصوات الحسنة وقد جاء الشيخ محمد السلواني متخرج من الأزهر الشريف بمصر وله إلماما واسعا في إداء الأذان يتحكم بإبقاء النغم واللحن كأعظم الموسيقيين وقد أوهبه اللّه صوتا جميلا فكان والدي رحمه اللّه يوقظني من النوم حتى أستمع وإياه لصوت هذا المؤذن في الضحى عندما يرتل . وقد شاء القدر فأحيل الشيخ محمد السلواني لمأذنة أخرى من مآذن الحرم وحل محله الشيخ عمر وهبة وكان صوته من أنكر الأصوات فعكر صفونا ولم يستطع والدي على الاستماع إليه خصوصا بعد صوت الشيخ محمد الملائكي . قام والدي المرحوم بطلب مشفوعا بمظبطة موقعه من خيار ساكني حي السعدية ونزل إلى دائرة الأوقاف الإسلامية وقدم هذا الطلب مستنكرا صوت المؤذن الجديد وطالبا رجوع الشيخ محمد السلواني وقد أدهش موظفي الأوقاف آنذاك بصفته مسيحيا وقد قال إلى مدير الأوقاف هذه الأبيات من الشعر بحق الشيخ وهبة : سمعت مؤذنا يؤذي بصوت * لسامعه وقد أذن الآذانا فقلت وقد أذت منه أذني * آذان تقصد أنت أم أذانا ؟ فسر جميع موظفي الأوقاف وقالوا " إعلم يا أبا خليل أن هذا الشيخ قد قتل أباه في طريق يافا القدس عندما اعتدت قطاع الطرق على البريد ومن الواجب مساعدته شفقة بأولاده " . فأجاب والدي أننا لا نرغب قطع رزقه ولكن في الإمكان تعيينه مؤذنا على مأذنة محلة سعد وسعيد فهناك لا يوجد منازل سكن بعد بل خيم النور ودير الدومونيكان ، فضحكوا وأخيرا انتصر والدي وأرجع الشيخ محمد إلى مأذنة الحمراء وكان يوما بهيجا . السراي في القدس في العهد العثماني كانت سراي الحكومة في العهد العثماني واقعة في الملك العائد لأوقاف المسلمين بالقدس ، الذي يستعمل الآن لدار الأيتام الإسلامية تحت رئاسة جميل وهبة ، على طريق المؤدية من موقع باب سوق العطارين الشمالي إلى الواد . ويوجد لهذه الدار بابا آخر يطل على عقبة التكية . لا تعجب أيها القارئ الكريم إذا قلت لك بأن هذه الدار كانت تحوي جميع قوى الدولة بكامل دوائرها وأجهزتها وأقلامها فإذا ما دخلتها تجد : المتصرف ، ومجلس الإدارة ، ومجلس الأنجمة ، وقلم التحريرات ، ثم دائرة الطابو ، ودائرة الوركو والمالية ، ودائرة النفوس ، ودائرة العدلية ، ودائرة البنك العقاري ، ودائرة النافعة ، والصندوق أميني ، وقوة البوليس ، وقوة الجندرمة ،